ابن سبعين

28

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

إلا عين واحدة ، قائمة بذاتها ، مقيمة لتعيناتها ، التي لا يتعين الحق بها ؛ لاستحالة الانحصار عليه أو التقييد ، فهو تعالى الظاهر في كل مفهوم ، والباطن عن كل فهم ، إلا عن فهم من قال : إن العالم صورته وهويته ، فلهذا صار صاحب التحقيق ، لا يثبت العالم ولا ينفيه : أي لا يثبت العالم إثبات أهل الحجاب ، ولا ينفيه نفي المستهلكين ، فافهم . انتهى منه بلفظه . [ مراد أهل اللّه بوحدة الوجود والوحدة المطلقة ] فهذا المعنى هو مراد أهل اللّه بوحدة الوجود ، وبالوحدة المطلقة وغير ذلك من العبارات التي يذكرها العارفون من أهل التحقيق ، وليس مرادهم المعنى الفاسد الذي عند أهل الزندقة والإلحاد ، وقد أنكرته عليهم علماء الأمة ، وقد كشف عن هذا الشيخ عبد الغني النابلسي في رسالة له سمّاها : « إيضاح المقصود عن معنى وحدة الوجود » « 1 » . وفي « الحكم العطائية » « 2 » : الكون كله ظلمة : أي عدم صرف بالنظر إلى أصله ، وحقيقة ذاته ، قال : وإنما أناره يعني أظهره ، وأزال ظلمة العدم عنه ظهور الحق فيه : أي تجليه عليه أولا بأنوار الإيجاد ، وتوجهه إليه ثانيا بما يقوم به ، ويدوم به وجوده من أنواع الإمداد ، فلم يكن وجوده لنفسه وذاته حتى يعد وجودا مستقلا ، وإنما كان وجوده تعالى ، وبظهور هذا الوجود في الأشياء ظهرت ، وبإشراق شعاعه عليها أشرقت على حسب ما تقتضيه طبائعها وقابليتها ، واستعداداتها الثابتة في العلم ، ثم قال في الحكم ، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده أعوزه وجود الأنوار ، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار يعني أن من نظر إلى الكون ، ولم يشهد الحق تعالى ببصيرته فيه ، أو عنده أو معه كما هو حال أهل التوسط الذين يرون اللّه في الأشياء ، أو عندها أو معها ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه أو عنده أو معه أو يشهده قبله ، كما هو حال أهل الشهود والعيان الذين يرون الأشياء باللّه ، ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أو يشهده بعده ، كما هو حال أهل الدليل والبرهان الذين يرون اللّه بالأشياء ، ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه بعده ، كان معدودا من أهل الظلام ، محجوبا عن اللّه تعالى

--> ( 1 ) طبعت بدار الآفاق العربية ، القاهرة . ( 2 ) الحكمة رقم ( 320 ) .